رئيسي قرآنت الفصل الخامس هل الوالدان اللذان يهملان أولادهما يضران أنفسهما ؟
هل الوالدان اللذان يهملان أولادهما يضران أنفسهما ؟
الفصل الخامس

" وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (سورة الأعراف، الآية 160)

يوسف طالب في الصف الرابع وهو ولد مشاغب يعاني من مشاكل سلوكية كثيرة. عليه أن يتناول أقراص الـ "ريتالين" لكي يهدأ ويستطيع التركيز والإصغاء. لكنّ والديه ليسا حريصين على أن يتناول هذه الأقراص في مواعيدها أي قبل الذهاب إلى المدرسة. لذلك عندما يتعب مع حلول الساعة الثانية عشرة ظهرا يبدأ بالهيجان ويروح يضرب زملاءه داخل الصف عن اليمين وعن اليسار. مربية الصف هي معلمة حديثة العهد بالتدريس ولا تملك من الخبرة والتجربة ما يكفي لحل مشاكل الطلاب وخاصة الطلاب من نوع يوسف. لذلك تقوم بإرساله إلى المكتبة، ولكنها لا تحل المشكلة بل تنقلها من قاعة الصف إلى قاعة المكتبة حيث يواصل يوسف تصرفاته العنيفة وإزعاج الطلاب الذين يجلسون في المكتبة للمطالعة أو تحضير دروسهم. طلبت أمينة المكتبة من المربية عدم إرسال يوسف مرة أخرى إلى المكتبة. عندما ضاقت المعلمة ذرعا ونفد صبرها ولم تجد حلا لمشاكل يوسف حوّلته إلى المستشارة التربوية في المدرسة لتعالجه وتجد حلا لتصرفاته المزعجة. استدعت المستشارة التربوية والدي يوسف لمحادثة حول تصرفات ابنهما. عرضت المستشارة التربوية الخطة التي بنتها لتحسين سلوك يوسف ولتساعده على الاندماج كولد سويّ في الصفّ. ولكنها اشترطت تنفيذ الخطة بقولها :" قبل كل شيء عليكما أن تتحملا المسئولية عن ابنكما، إذا لم تتحملا مسئوليته فإنَّ أحدا لن يتحملها بدلا منكم". وللتأكيد على أهمية دورهما قرأت على مسامعهما قول الله تعالى في سورة الأعراف " وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ". ثم شرحت المقصود من قراءتها لهذا الجزء من الآية 160. " بكونكما لا تتحملان المسئولية عن تصرفات ابنكما فإنَّكما كما تقول الآية الكريمة تظلمون أنفسكما أولا وقبل كل شيء لأنه ابنكما فإنَّ النار أول ما تلتهم - تلتهم ما حولها، صحيح أن المدرسة أيضًا تعاني ولكن معاناتكم أكبر فهو لن يبقى طوال حياته في المدرسة بل سيبقى ابنكما دائما". تعهد الوالدان في المرحلة الأولى أن يواظبا على إعطائه قرص الـ" ريتالين" صباح كل يوم والتعاون في المرحلة التالية مع المستشارة من أجل اندماجه بشكل طبيعي في الصف.

التفسير النفسي: يميل الكثير من أهالي الطلاب إلى تحميل المدرسة والمعلمين مسئولية تصرفات أولادهم ولا يحملونها هم أنفسهم. من الطبيعي أن تحمل المسئولية أصعب بكثير من كيل التهم للغير ولكن ذلك أفضل وأكثر فائدة. ما دام الأهالي لا يدركون بأنَّ الاهتمام بأولادهم - في هذه الحالة الحرص على أن يتناول الدواء في وقته - هي من مسئوليتهم فإنَّ وضع أولادهم لن يتحسّن، وأنهم ، طبعًا، سيكونون أول من سيدفع الثمن. هناك أولياء أمور يحضرون أولادهم إلى الروضة أو إلى المدرسة وهم يتأملون أن الروضة أو المدرسة ستصلّحهم وتعوِّضهم عن كل النواقص التي قصّر فيها والديهم. للأهالي أفكارهم وأحلامهم وتوقعاتهم الكثيرة والمتنوعة ولكن شيئا من هذه لا يكون بديلا عن تحمّلهم المسئولية الحقيقية. على والدي يوسف أن يتعاونا مع المستشارة التربوية ومربية الصف بشكل كامل وجدي وأن يتابعا سلوك ابنهما في المدرسة بشكل متواصل. لا يصح أن يذهب ابنهما إلى المدرسة ويقوم بأعمال تخل بالنظام وتزعج المعلمين وتؤذي الطلاب وهم لا يعرفون عن تصرفاته شيئا. تبدأ جميع المشاكل ، كما نعرف، في بيت الطالب ولكن الوالدين بالتعاون مع الطاقم التربوي في المدرسة يستطيعان تحسين أحوال الولد وحل مشاكله. لذلك العلاقة مع المدرسة وهيئتها التربوية يجب أن تكون جيدة ووثيقة ودائمة وليست علاقة اتهامات متبادلة بينهما وذلك لمصلحة جميع الأطراف. لقد أحسنت المستشارة التربوية التي ذكّرت الوالدين بأنّ كل خلل في تصرفات الولد يسيء أولا وقبل كل شيء إلى الولد نفسه ثم إلى والديه ومن إلى المدرسة وطلابها ومعلميها. لذلك من مصلحتهما التعاون الوثيق مع المدرسة.