رئيسي قرآنت الفصل التاسع كيف نصلح ذات البين بين شخصين متخاصمين؟
كيف نصلح ذات البين بين شخصين متخاصمين؟
الفصل التاسع

" واللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (سورة يونس، الآية 25)

بعد الاستراحة (التنفّس) دخلت معلمة التاريخ إلى الصف الحادي عشر والذي هو أحد الصفوف المختلطة التي يتعلم فيها الطلاب البدو مع الطلاب الفلاحين. خلال الدرس ثار جدل بين طالبين أحدهما بدوي والآخر فلاح. نزاعات بين البدو والفلاحين في هذه المدرسة هي من الأمور الشائعة وكثيرة الحدوث. هدأت المعلمة الطالبين وتابعت درسها. بعد دقائق ثار الجدل من جديد بحدة أكبر وشمل عددا أكبر من الطلاب حتى انقسم الصف إلى فريقين متخاصمين: فريق الفلاحين وفريق البدو. بدأ النزاع بين الفريقين بتبادل الشتائم والكلمات البذيئة ثم انتقل إلى الأيدي وتحول الصف إلى ساحة معركة. لم تنجح المعلمة في السيطرة على الموقف وفض النزاع. لحسن الحظ سمع مدير المدرسة الضجة المنبعثة من الصف فجاء مسرعا حيث هدّأ الطلاب وحول الدرس إلى محاضرة في الأخلاق. في نهاية الدرس عندما كان الطلاب قد هدؤوا قال لهم المدير : "لا أريد أن استدعي أولياء أموركم ولا أن أفصل أي طالب منكم عن المدرسة ليوم ولا حتى لحصة؛ ولكن هذا مشروط بأن تعقدوا بينكم صلحا يستمر حتى نهاية الصف الثاني عشر". عندما سمع الطلاب شرط المدير هاجوا وماجوا من جديد وأبدوا معارضتهم لتسوية الأمور بينهم وعقد مصالحة بينهم. عندها أخرج المدير مصحفا من أحد رفوف مكتبة الصف وطلب من الجميع الهدوء. فتح المدير المصحف الشريف على سورة يونس وتلا الآية 25 والتي يقول فيها عزّ وجلّ : " واللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" ثم عقب شارحا لهم هذه الآية الكريمة: "إن الله تعالى يدعوكم إلى دار السلام أي إلى السلامة وهي الجنة والتي تكون من نصيب المؤمنين والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول وهذا ثابت في صحيح مسلم : " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم." هل تريدون إفشاء السلام بينكم تلبية ليس لطلبي فحسب ولكن لطلب الرسول والله عز وجل. الآن أجاب الجميع بالإيجاب. ثم بادروا بأنفسهم إلى تحديد موعد لعقد الصلح بينهم واتفقوا على توزيع المهام بينهم ودعوة جميع الطلاب والمعلمين. وقد كان فعلا حدثا تاريخيا ما زال الجميع يذكرونه حتى يومنا هذا.

التفسير النفسي: القرآن الكريم هو كتاب السلام. حتى من لا يعرفه يكفيه أن يقرأ بعض آياته ليرى ذلك جليًّا واضحا وضوح الشمس: إذ أن الصفح والعفو والرحمة والسلام هي من أهم قواعده الأساسية. ها هي معلمة التاريخ تقف حائرة لا حول لها ولا قوة أمام هؤلاء الشبان الذين يتبادلون الشتائم واللكمات. ماذا تقول لهم؟ من المؤكد أنها تعرف ماذا تقول إذا حدث لها ذلك - لا سمح- في المستقبل: "إنّ الله يدعوكم إلى دار السلام..." . كانت الآية أعلاه من سورة يونس كافية لتهدئة الطلاب الهائجين. الآن بعد تهيئة المدير للجو واستعانته بالحديث النبوي الشريف لتفسير تلك الآية أصبحت القلوب أقرب إلى الصفح والعفو لأنّ إفشاء السلام مشيئة الله ورسوله. كان بإمكان المدير أن يعطي محاضرة تستمر ساعات يحقق خلالها من بدأ وماذا قال ومن ردّ عليه وإلخ ولكن هل كان سيحقق نتيجة كتلك التي حققها باستشهاده بالآية الكريمة والحديث الشريف؟ قد يكون الجواب نعم وقد يكون لا. لطريقة التحقيق وفحص ماذا حدث يمكن أن يكون لها حسنات ولكن مهما بلغت حسناتها فإننا لن نجد أفضل من أمر الهي أو نبوي يمكن أن ينقي القلوب ويعيد إلى النفوس صفاءها ويعيد الصف إلى أخوته. هذه الأمور لا يحققها أي تحقيق وإن كان ناجحا.