رئيسي قرآنت الفصل الثالثَ عشَر ماذا نقول لمن "يتوسّط" لقريبه؟ محسوبية
ماذا نقول لمن "يتوسّط" لقريبه؟ محسوبية
الفصل الثالثَ عشَر

" فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ " (سورة المؤمنون، الآيات 101 - 103)

هذا هو أول يوم لمعلمة العلوم المعلمة ياسمين في هذه المدرسة الابتدائية بالذات وفي التعليم بشكل عام. عندما دخلت إلى الصف دارت في خلدها أسئلة كثيرة : "ماذا سيقول عني الطلاب"؟ "عن أي شيء سيسألون"؟ "كيف سيعاملونني"؟

الآن حاولت أن تتذكر طرائق التدريس التي تعلمتها فوجدت نفسها محتارة أي طريقة تستعمل، وبحسب أي نظرية تربوية تعمل وأيها هي الأنسب لطلابها الجدد. حاولت أن تهدئ من روعها قائلة: "عليّ أولا أن أتعرف على الطلاب لكي أعرف من أين أبدأ. بعد ذلك ألائم لهم الطريقة الأنسب والأفضل لهم ... ".

عندما دخلت ياسمين إلى الصف رسمت ابتسامة على وجهها وحيّت الطلاب قائلة: "صباح الخير، أيها الطلاب" وانتظرت ردهم على تسليمها لعلها من هذا الرد تعرف من يكون طلابها ...

ردّ الطلاب: " صباح الخير، أيتها المعلمة. أنت المعلمة الجديدة، أليس كذلك؟ أنت معلمة العلوم؟

أجابت ياسمين: "نعم "

"واسمك ياسمين، أليس كذلك؟ " سألها الطلاب.

أجابت المعلمة: "نعم، كم جميل من طرفكم أنكم تسألون عن اسمي وأنا أيضًا أرغب في التعرّف عليكم".

بدأ الطلاب واحدا واحدا حسب ترتيب جلوسهم يقدّمون أنفسهم للمعلمة، حتى وصلت إلى أحد الأولاد الذي كان عنده ما يضيفه إلى اسمه: أنا اسمي يوسف، وأنا ابن مدير المدرسة".

"تشرفنا" قالتها المعلمة ياسمين وتابعت تستمع إلى بقية أسماء الطلاب.

خلال عدة أيام نجحت ياسمين في حفظ أسماء طلابها. أجرت المعلمة ياسمين مسحا لقدرات طلاب الصف وللتعرف على مستواهم، فاكتشفت وجود فجوات بين قدرات الطلاب وبأنَّ الصف غير متجانس. لذلك قررت أن تقسّم الصف إلى مجموعات وأن تعمل على تحسين تحصيل كل مجموعة بحسب مستواها وقدرتها على الاستيعاب. قامت المعلمة ياسمين بتقسيم الصف إلى مجموعات بحسب علاماتهم في امتحان التشخيص الذي اجرته لهم، وبناء على وظائف معينة كلفتهم بحلّها. في نهاية الدرس وقف أحد الطلاب وقال لها:

عفوا، معلمتي، أنا موجود في المجموعة الثانية ، ولكنني لا أرغب في أن أكون في هذه المجموعة ..." .

كان هذا الولد هو يوسف. وضعته المعلمة ياسمين في المجموعة المتوسطة وهو يطلب أن ينضم إلى المجموعة القوية. عادت المعلمة وشرحت كيف تم توزيع الطلاب على المجموعات وأضافت بأنها بعد شهرين تقريبا ستقوم بإعادة ترتيب المجموعات بحسب تحصيل الطلاب.

في صبيحة اليوم التالي استدعى المدير المعلمة ياسمين وقال لها :" هل تعلمين ماذا فعلتِ؟" تفاجأت ياسمين من نبرة صوت المدير. ولكنه لم يدعها تتكلم إذ تابع يقول: "لماذا لم تسمحي ليوسف بأن يكون في المجموعة الأولى؟ ألا تعلمين بأنه ابني؟!"

الآن وبعد أن سمعت السؤال هدأت. شرحت المعلمة للمدير بأنها تعرف بأنَّ يوسف ابنه ولكن القرار كان أن يتم تقسيم الطلاب بحسب علاماتهم وقدراتهم وليس بحسب انتماءاتهم العائلية.

تفاجأ المدير :" أنت تعطيني تبريرات وشروح وتناقشينني بدلا من أن تقولي بأنَّ ابني سيكون في المجموعة الأولى؟؟" أجابت ياسمين :" لا استطيع أن أنقله لأنّ الأمر ليس لصالحه ولن يفيده بشيء. سأشتغل مع كل طالب بحسب قدرته على الاستيعاب. ثق بأنني أعمل وفق خطة عمل مرتبة تضمن تقدم جميع الطلاب وأنا على ثقة بأنَّ النتائج ستكون جيدة".

- "أنا المدير هنا، وأنا الذي أقرر. كلمتي هي الكلمة الأخيرة. اعتبارا من صباح الغد سيكون يوسف في المجموعة الأولى".

- "ولكن، بعد إذنك، يا حضرة المدير، الآن أنت مهتم بابنك وتختار له المجموعة التي سيكون فيها ولكنه بعد سنة سيكون في مدرسة ثانية وهناك لن يكون يوسف ابن المدير. تخيّل ماذا يمكن أن يجني عليه هذا؟! أعط ابنك لأن يكون متساويا مع جميع طلاب صفه لكي يتقدم ويتطور بقواه الذاتية". وفي هذه اللحظة أخرجت المعلمة ياسمين من حقيبتها مصحفا وفتحته على سورة المؤمنون وقرأت الآيات 101 - 103 والتي يقول فيها عز وجلّ : " فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ".

جاء رد المدير على غير ما توقعت:

"كل التقدير والاحترام لك يا ياسمين، كلماتك تساوي ذهبا. عودي إلى صفك وكلي ثقة بقراراتك واستمري العمل وفق خطتك".

التفسير النفسي: نعم الوساطة والمحسوبية للأقارب والأصدقاء هي ظاهرة معروفة في العالم . إذ من منا لا يريد أن يساعد أفراد أسرته أو عائلته أو أقاربه أو أصدقاءه؟ لكن ضرر مثل هذا التدخل كبير جدًّا وعلى الجميع. أولا ، يخسر المجتمع بأن لا يحظى بالوظائف والمراكز العالية والمهمة من هم أهل لها، بل من لهم علاقات تربطهم بصاحب القرار. إضافة إلى ذلك في كثير من الحالات الخاسر يكون من توسّطنا له، على سبيل المثال لو نقلنا يوسف تلبية لطلب والده (المدير) إلى المجموعة الأولى التي لا تلائمه فهو لن يستطيع فهم المادة لأنها أعلى من مستواه وقدرته على الاستيعاب إضافة إلى انه سيصبح عالة على والده يرتب له أموره ولا يضطر إلى أن يدرس وينجح بقواه الذاتية. لقد أعطت المعلمة جوابا جازما قاطعا للمدير عندما سألته وماذا سيفعل عندما سيكون في مدرسة أخرى ولن يكون فيها ابن المدير؟ ها هو القرآن الكريم يأتي ليساعدنا في محاربتنا للمحسوبية والوساطات وتفضيل ابن العائلة والأقارب يهدم المجتمع ويفسده. لقد أحسنت ياسمين عندما استعملت هذه الآيات المهمة لكي تعيد المدير إلى طريق الصواب من أجل مصلحة ابنه ومصلحة المدرسة وطلابها والمجتمع عامة.