رئيسي قرآنت الفصل الأول كيف يجب التعامل مع اليتيم؟
كيف يجب التعامل مع اليتيم؟
الفصل الأول

"فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ واللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (سورة البقرة، الآية 220)

حسين طالب في الصفّ الخامس وهو طالب متوسط الاجتهاد ولكنه ولد اجتماعيّ جدًّا متفوّق بشكل خاصّ في الرّسم. توفي والد حسين قبل حوالي السنة في حادث سير.  تسكن أسرة حسين في المنزل المجاور لمنزل عمّه الذي يقوم على رعاية الأسرة بعد أن فقدت ربّها ومُعيلها. فكّرت أم حسين أن تخرج إلى العمل لإعالة نفسها وابنها إلا أنّ  العمّ لم يسمح لأرملة أخيه بالعمل خارج المنزل بحجة أن ذلك ليس مقبولا في المجتمع، كما يقول. أخذ العمّ ما تركه أخوه من أموال وقال لأرملة أخيه بأنه سيوفر لها ولابنها كل ما يحتاجان إليه. في الآونة الأخيرة بدأ العمّ يضغط على حسين من أجل أن يترك المدرسة ويبحث عن عمل يساعد فيه عمّه على إعالة أسرته. لم تتّخذ الأرملة موقفا حيال طلب العمّ وبقيت صامتة لم تقل شيئا إلا أن حسينا اعترض على طلب عمّه وعبّر عن رغبته في الاستمرار في الدراسة ورفضه لفكرة ترك المدرسة، الأمر الذي أثار حفيظة وغضب العم الذي بدأ يشتم الولد ويضربه. ازداد عنف العم ضدّ ابن أخيه مما اضطر الولد، مرات عديدة، إلى الهرب من المنزل والمبيت في الشارع. وفي صبيحة ليلة لاقى فيها الأمرّين من عنف وقسوة عمّه توجّه حسين إلى المستشارة التربوية في المدرسة باكيا متألّما. شرح حسين للمستشارة قصته مع عمّه وأطلعها على الآثار  التي تركتها ضربات عمه على جسمه، في تلك الليلة.

استدعت المستشارة التربوية العم الذي بادرها بالشكوى من تصرفات حسين السيئة وعدم احترامه له وعدم انصياعه لأوامره مع أنه يقدم له ولأمه كل ما يحتاجانه معتقدا بأنّ المستشارة التربوية لا تعرف الكثير عما يجري. استمعت المستشارة التربوية بصبر وأناة إلى أقوال العمّ وهي تبدي له اهتمامها بما يقول واحترامها له كرجل كبير. وعندما أنهى العم حديثه بدأت المستشارة التربوية تحكي له عن حبّ حسين للمدرسة والدراسة مع أنه طالب متوسط وأنه ولد موهوب في الرّسم ولمّحت له بأنها تعرف بأنّه يضرب ابن أخيه اليتيم وأن الولد ينام أحيانًا خارج المنزل في الشارع وأن حسينا ما زال صغيرا لكي يترك الدراسة ويخرج إلى العمل، كل ذلك بلباقة وحنكة وقد ختمت أقوالها وهي تستشهد بالآية الكريمة رقم 220 من سورة البقرة: "... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ واللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ..." أنصت العم ولم ينبس ببنت شفة. هنا أدركت المستشارة التربوية أن العم فهم خطورة ما يقوم به وأدرك أنها تعرف الكثير عن تصرفاته مع ابن أخيه وأدركت هي أنه فهم معنى الآية التي استشهدت بها : "ويسألونك - يا محمّد- عن اليتامى كيف يتصرّفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم – يا محمّد- إصلاحكم لهم خير فافعلوا الأنفع لهم دائما، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم من يضيّع أموال اليتيم ممن يحرص على إصلاحها. مع أن المستشارة التربوية كانت شبه متأكّدة من أنه فهم معنى هذه الآية الكريمة إلا أنها اتفقت معه على أن تقوم بزيارته مع إمام المسجد لكي يفكروا جميعا في أفضل السبل لتطبيق أحكام هذه الآية الكريمة وغيرها من أحكام القرآن الكريم الخاصة بمعاملة اليتيم، لما فيه صلاح الجميع في الدنيا والآخرة.

التفسير النفسي: ليست أمور الحياة كلها سهلة. هناك التزامات يتوجّب علينا القيام بها على الرغم من أننا لم نخترها بمحض إرادتنا. رعاية اليتيم وخاصة الذي تربطنا به أواصر القربى هي إحدى هذه الالتزامات التي يجب علينا القيام بها عن قناعة ورضا وتسليم. لا يمكن للمجتمع أن يسمح لنفسه بأن تبقى هذه الشريحة من المجتمع دون عناية أو رعاية لا من الناحية الأخلاقية ولا من ناحية مستقبل المجتمع، لأن ولدا بلا رعاية وبدون عناية يمكن أن يكون عبئًا على المجتمع بطرق شتّى. يمكن أن يكبر هذا الولد ويصبح رجلا غير قادر على إعالة نفسه، فيتحوّل إلى لصّ أو مجرم أو ما شابه. في كثير من الأحيان يشعر أبناء العائلة بالذنب على أنهم قصّروا في الاعتناء بابن عائلتهم اليتيم كما يحبون أن يعتنوا بأبنائهم لو أنه – لا سمح الله – حدث لهم مكروه.

هذا الشعور بالذنب هو شعور صِحِيّ وجيّد وهو يحفّز الأقارب على رعاية اليتيم والاعتناء به. ولكن، أحيانًا لا يشعر القريب بهذا الالتزام كما لا يشعر بالذنب بل على العكس، فهو يضع نصب عينيه أن يستغلّ اليتيم وأسرته. في مثل هذه الحالة يقوم القرآن الكريم والأوامر الإلهية بما لا يستطيع أي معالِج أو أية سلطة القيام به. فهما (القرآن الكريم والأوامر الإلهية) يبيّنان للإنسان ماذا عليه أن يفعل وكيف عليه أن يتصرّف مع قريبه اليتيم، وهما ينصّان أيضًا بكل وضوح على تحريم ظلم اليتيم وأكل ماله بأيّ شكل من الأشكال. حسين ما زال ولدا صغيرا وهو بحاجة إلى أب يحبه ويهتمّ به وإلى أم تحنّ وتعطف عليه. وبدونهما سيكون من الصعب عليه أن ينمو ويترعرع جيدا وهذا هو قصد الآية الكريمة التي تلتها المستشارة التربوية.